الرئيسية / قصص الانبياء / قصة يوسف عليه السلام كاملة

قصة يوسف عليه السلام كاملة

أقدم لكم قصة يوسف عليه السلام كاملة من خلال موقعنا قصص مذهلة للمزيد من القصص زوروا قسم قصص دينية

يوسف عليه السلام

يوسف ابن نبي الله يعقوب ابن نبي الله اسحاق ابن خليل الله ابراهيم جد الأنبياء وخليل الرحمن وقد كان لنبي الله يعقوب أثني عشر ابناً من بينهم سيدنا يوسف صلوات الله وسلامه عليه ،وأخوه بنيامين من نفس الأم، والباقي من أم أخري

قبل بدء قصة يوسف عليه السلام،أريد أن ألفت نظركم لشىء في إختلاف طريقة رواية قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم عن بقية قصص الأنبياء الأخري فجاءت قصص الأنبياء  موزعة في عدة سور مختلفلة في القران ، بينما قصة يوسف عليه السلام أتت كاملة في سورة واحدة وهي سورة يوسف أول سورة تنزل كاملة

 لماذا سميت سورة يوسف بأحسن القصص؟

(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)

ويقول عنها العلماء مايسمع بها محزون إلا استراح فهي تريح القلب وتريح المحزون لأن الشدة ورأها رفع البلاء والخير الكثير، ونزلت سورة يوسف بعد سورة هود في عام الحزن في العام الذي توفي فيه أبو طالب عم النبي صلي الله عليه وسلم وزوجتة السيدة خديجة رضي الله عنها

سميت  بأحس القصص لأنها القصة الوحيدة في القرآن التي جمعت ت الحكم، العبر والعظات التي يحتاجها المسلم في دنياه واخراه

(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ )

إختص الله يوسف بالرساله والنبوة دون إخواته ، في يوم من الأيام أسيقظ سيدنا يوسف فقد كان صغيراً لم يبلغ الحلم بعد علي رؤيا أهلته وأدهشته فقد رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر يسجدون له فلما استيقظ، ذهب إلى أبيه يعقوب -عليه السلام- وقص له  هذه الرؤيا. فعرف أن ابنه سيكون له شأن عظيم،وكان يعلم أن اخوته يحسدوه فقال له لا تقص رؤياك علي احد

وكان يعقوب عليه السلام يعلم تفسير الرؤيا وعلم أن الأحد عشر كوكباً هم إخوة سيدنا يوسف والشمس أبوه ، والقمر أمه

 ( لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ  )

جاء بعض اليهود إلي النبي صلي الله عليه وسلم في مكة فقالوا  له يا محمد ، أخبرنا عن رجل كان يعيش في أرض الشام أخذ أبنه منه ، وبيع في مصر فبكي الأب حتي عمي ، فلم يرد النبي صلي الله عليه وسلم ، فأنصرفوا ، وبدوءا يطوفون في مكة يقولون: لقد سألنا محمداًُ سؤالا ولم يرد  فأنزل الله تبارك وتعالي هذه الآية

 (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ )

اجتمع اخوت يوسف للتحدث في امره ،و ملاءت الغيرة قلوبهم لانهم راوء انفسهم مجموعة قوية تدفع وتنفع، وأبوهم مخطئ في تفضيل هذين الصبيين على مجموعة من الرجال.  فاقترح أحدهم حل لهذه الغيرة والحقد الذي ملاء قلوبهم .وهو بقتل يوسف

(اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ).

تدخل الشيطان في قلوبهم  و ضخم حب أبيهم ليوسف وإيثارته عليهم حتى جعلهم يفكروا  بالقتل. أكبر جرائم الأرض  بعد الشرك بالله. وإلقاءه في أرض بعيدة ، ليموت بها وكي لا يعود ثانياً حتى لا يراه أبوه فينساه فيوجه حبه كله لهم. ومن ثم يتوبون عن جريمتهم

( قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ)

قال واحد منهم  حرك الله في أعماقه بعض مشاعر الشفقة ، والخوف من القتل وقال لهم لا داعي لقتله  إن كنتم تريدون الخلاص منه، فنلقيه في بئر تمر عليها القوافل.. ستلتقطه قافلة وترحل به بعيدا.. سيختفي عن وجه أبيه.. ويتحقق غرضنا من إبعاده، وابتعدوا عن فكرة القتل واتفقوا علي فكرة النفي وهي إلقاءه بالبئر .

(قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُون  & أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )

و توجه أخوت يوسف لأبيهم يطلبون منه السماح ليوسف بمرافقتهم  أيمكن أن يكون يوسف أخانا، وأنت تخاف عليه من بيننا ولا تستأمننا عليه، ونحن نحبه وننصح له ونرعاه، لماذا لا ترسله معنا ؟

 (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ &قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ)

ورد يعقوب عليه السلام ينفي بطريقة غير مباشرة أنه لا يأمنهم عليه، ويعلل احتجازه معه بقلة صبره على فراقه وخوفه عليه من الذئاب ، فنفوا فكرة الذئب الذي يخاف أبوه أن يأكله.. نحن عشرة من الرجال فهل نغفل عنه ونحن كثرة؟ نكون خاسرين غير أهل للرجولة لو وقع ذلك.. لن يأكله الذئب ولا داعي للخوف عليه.

وافق يعقوب عليه السلام تحت ضغط أبنائه ليتحقق قدر الله وتتم القصة كما تقتضي مشيئته

بداية المحن

 (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ )

خرج الأخوة ومعهم يوسف، وأخذوه للصحراء. اختاروا بئرا لا ينقطع عنها مرور القوافل وحملوه وهموا بإلقائه في البئر.. وأوحى الله إلى يوسف أنه ناج فلا يخاف.. وأنه سيلقاهم بعد يومهم هذا وينبئهم بما فعلوه.

 (وَجَاءُو أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُو عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ )

جاء الأبناء عشاءً باكين ليحكوا لأبيهم قصة الذئب المؤلفة . أخبروه بأنهم ذهبوا يستبقون، فجاء ذئب على غفلة، وأكل يوسف. لقد ألهاهم الحقد  سبك الكذبة، فلو كانوا يفكرون ما فعلوها من المرة الأولى التي يأذن لهم فيها يعقوب باصطحاب يوسف معهم! ولكنهم كانوا معجلين لا يصبرون، يخشون ألا تواتيهم الفرصة مرة أخرى. كذلك كان تأليفهم حكاية الذئب دليلا على التسرع، وقد كان أبوهم يحذرهم منها أمس، وهم ينفونها.

فلم يكن من الممكن  أن يذهبوا في الصباح ليتركوا يوسف للذئب الذي حذرهم أبوهم منه أمس وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه به  ونسوا  أن يمزقوا قميص يوسف.؛جاءوا بالقميص كما هو سليماً، ولكن ملطخا بالدم.، وانتهى كلامهم بدليل قوي على كذبهم حين قالوا: وماانت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين  أي وما أنت بمطمئن لما نقوله، ولو كان هو الصدق، لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقوله.

أدرك يعقوب عليه السلام من قولهم  ومن نداء قلبه من كذبتهم ، أن يوسف لم يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدة ما، وأنهم يلفقون له قصة لم تقع،  وأنه سيصبر متحملا و لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو، مستعينا بالله على ما يلفقونه من حيل وأكاذيب بقوله بل سولت لكم أنفسكم امراً فصبرجميل والله المستعان ….

 (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  )

أثناء وجود يوسف بالبئر، مرت عليه قافلة كبيرة كانت في طريقها إلى مصر ، توقفوا للتزود بالماء، وأرسلوا أحدهم للبئر فأدلى الدلو فيه، تعلق يوسف به فظن أنه امتلأ بالماء فسحبه، وفرح بما رأى، رأى غلاما متعلقا بالحبل، فطبق  على يوسف حكم الأشياء المفقودة التي يلتقطها أحد،  فيصبح عبدا لمن التقطه.. هكذا كان قانون ذلك الزمان البعيد.

فرح به من وجده في البداية، ثم زهد فيه حين فكر في همه ومسئوليته، وزهد فيه لأنه وجده صبيا صغيرا.. وعزم على التخلص منه عند وصوله إلى مصر.. وحينما وصل  مصر  باعه في سوق الرقيق بثمن زهيد، دراهم معدودة.

يوسف في بيت العزيز

( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )

واشتراه رجلاً من مصر  وقال لزوجته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. ولم يكن رجلاً هين الشأن.. إنما هو رجل مهم..  من الطبقة الحاكمة في مصر.، أنه وزير من وزراء الملك. وزير خطير سماه القرآن “العزيز”، وبعض الأقاويل وأرجح الآراء أن العزيز هو رئيس وزراء مصر.و مكن الله ليوسف في الأرض.. سيتربى كصبي في بيت رجل يحكم. وسيعلمه الله من تأويل الأحاديث والرؤى، وسيحتاج إليه الملك في مصر يوما. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).

كان يوسف من أجمل رجال عصره.. وكان نقاء أعماقه وصفاء سريرته يضفيان على وجهه مزيدا من الجمال. وأوتي صحة الحكم على الأمور، وأوتي علما بالحياة وأحوالها، وأوتي أسلوبا في الحوار يخضع قلب من يستمع إليه.، وأوتي نبلا وعفة. وأدرك سيده أن الله قد أكرمه بإرسال يوسف له.، اكتشف أن يوسف أكثر من رأى في حياته أمانة واستقامة وشهامة وكرما.. وجعله مسئولا عن بيته وأكرمه وعامله كابنه.

(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ )

وراودته  صراحة عن نفسها  وأغلقت الأبواب .وقالت له  لن تفر مني هذه المرة. هذا يعني أنه كانت هناك مرات سابقة فر فيها منها. مرات سابقة لم تكن الدعوة فيها بهذه الصراحة وهذا التعري. فيبدوا أن امرأة العزيز سئمت تجاهل يوسف لتلميحاتها المستمرة ورفضه لها.، فقررت أن تغير خطتها.، خرجت من التلميح إلى التصريح، أغلقت الأبواب ومزقت أقنعة الحياء وصرحت بحبها وطالبته بنفسه.

وقف النبي الكريم في وجه سيدته وقال لها معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ،  أعيذ نفسي بالله أن أفعل هذا مع زوجة من أكرمني بأن نجاني من الجب وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن. ولا يفلح الظالمون الذين يتجاوزون حدود الله، فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه.

( وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ )

أثر يوسف  الانصراف متجها إلى الباب حتى لا يتطور الأمر أكثر. لكن امرأة العزيز لحقت به لتمسكه، تدفهعا الشهوة لذلك. فأمسكت قميصه من الخلف، فتمزق في يدها، وفؤجئت  يفتح الباب زوجها العزيز. فسألها ماذا يحدث  فتجد الجواب حاضرا على السؤال. فتقول متهمة ليوسف :قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن

واقترحت هذه المراة سريعا العقاب الواجب تنفيذه على يوسف، خشية أن يفتك به العزيز من شدة غضبه. وبينت  للعزيز أن أفضل عقاب له هو السجن. بعد هذا الاتهام الباطل والحكم السريع جهر يوسف بالحقيقة ليدافع عن نفسه: وقال هي من راودتني عن نفسي .

 (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ )

تقول بعض الرويات أن الشاهد رجل كبير وبعضها تقول أنه طفل صغير ،أمرهم  الشاهد بالنظر للقميص، فإن كان ممزقا من الأمام فذلك من أثر مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها فهي صادقة وهو كاذب. وإن كان قميصه ممزقا من الخلف فهو إذن من أثر تملصه منها وتعقبها هي له حتى الباب، فهي كاذبة وهو صادق.

 

وتأكد الزوج من خيانها  عندما رأى قميص يوسف ممزق من الخلف. .  وصرح بأن كيد النساء عظيم. و بعدها التفت  إلى يوسف قائلا له: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا) أهمل هذا الموضوع ولا تعره اهتماما ولا تتحدث به. هذا هو المهم.. المحافظة على الظواهر.. ثم يوجه عظة -مختصرة- للمرأة التي ضبطت متلبسة بمراودة فتاها عن نفسها وتمزيق قميصه: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ).

(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ )

بدأ الموضوع ينتشرخرج من القصر إلى قصور الطبقة الراقية  ووجدت فيه نساء هذه الطبقة . وزاد حديث المدينة تنقل الخبر من فم إلى فم.. ومن بيت إلى بيت.. حتى وصل لامرأة العزيز.

وعندما سمعت امرأة العزيز بما تتناقله نساء الطبقة العليا عنها، قررت أن تعد مأدبة كبيرة في القصر. وأعدت الوسائد حتى يتكئ عليها المدعوات. واختارت ألوان الطعام والشراب وأمرت أن توضع السكاكين الحادة إلى جوار الطعام المقدم. ووجهت الدعوة لكل من تحدثت عنها. وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة، فاجأتهن بيوسف:وقالت له أن يخرج عليهم ، فلما راوه اندهشوا وجرحن أيديهن بالسكاكين وقالوا حاش لله وهي كلمة تعبر عن الدهشة بصنع الله ، وقالوا انه ليس ببشر غن هذا الإ ملك كريم

ورأت أمراة العزيز أنها بذلك انتصرت على نساء طبقتها، وأنهن لقين من طلعة يوسف الإعجاب والذهول. وقالت لهم:  لقد بهرني مثلكن فراودته عن نفسه لكنه استعصم، وإن لم يطعني سآمر بسجنه لأذلّه.واندفع النسوة كلهم إليه يراودنه عن نفسه.. كل منهن أرادته لنفسها.

يوسف والسجن

( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )

استنجد يوسف بربه ليصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن واستجاب له الله.. وصرف عنه كيد النسوة.

( ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)

ربما كان دخوله للسجن بسبب انتشار قصته مع امرأة العزيز ونساء طبقتها، فلم يجد أصحاب هذه البيوت طريقة لإسكات هذه الألسنة سوى سجن هذا الفتى الذي دلت كل الآيات على برائته، لتنسى القصة، ودخل يوسف السجن ثابت القلب هادئ الأعصاب أقرب إلى الفرح لأنه نجا من إلحاح زوجة العزيز ورفيقاتها، وثرثرة وتطفلات الخدم. كان السجن بالنسبة إليه مكانا هادئا يخلو فيه ويفكر في ربه.

انتهز يوسف عليه السلام-هذه الفرصة ليحدث الناس عن رحمة الخالق وعظمته وحبه لمخلوقاته، كان يسأل الناس: أيهما أفضل.. أن ينهزم العقل ويعبد أربابا متفرقين.. أم ينتصر العقل ويعبد رب الكون العظيم؟ وكان يقيم عليهم الحجة في إجابته

 

واثناء وجود يوسف بالسجن جاء إليه سجينان يسألانه تفسير أحلامهما، بعد أن توسما في وجهه الخير. إن أول ما قام به يوسف -عليه السلام- هو طمأنتهما أنه سيفسر لهم الرؤى، لأن ربه علمه علما خاصا، جزاء على تجرده هو وآباؤه من قبله لعبادته وحده، وتخلصه من عبادة الشركاء.

وكسب ثقتهما منذ اللحظة الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما، كما يكسب ثقتهما كذلك لدينه. ثم بدأ بدعوتهما إلى التوحيد، وتبيان ما هم عليه من الظلال. قام بكل هذا برفق ولطف ليدخل إلى النفوس بلا مقاومة. و فسر لهما الرؤى. بيّن لهما أن أحدها سيصلب، والآخر سينجو، وسيعمل في قصر الملك. لكنه لم يحدد من هو صاحب البشرى ومن هو صاحب المصير السيئ تلطفا وتحرجا من المواجهة بالشر والسوء. وتروي بعض التفاسير أن هؤلاء الرجلين كانا يعملان في القصر، أحدهما طباخا، والآخر يسقي الناس، وقد اتهما بمحاولة تسميم الملك.

وأوصى يوسف من سينجو منهما أن يذكر حاله عن الملك. لكن الرجل لم ينفذ الوصية. فربما ألهته حياة القصر المزدحمة يوسف وأمره. فلبث في السجن بضع سنين. أراد الله بهذا أن يعلم يوسف -عليه السلام- بذلك درسا.

تقول بعض الرويات أن نزل جبريل ليوسف وقال له من انقذك من الجب ؟ ومن أنقذك من اخوتك ؟ ومن حررك بعد أن صرت عبداً ؟ من انقذك من كيد النساء ؟ قال: الله. قال: فعلام تطلب النجاة من غيره؟ .

انتهاء المحن ليوسف وبدء النعيم

(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)

كان الملك: يحكي لحاشيته رؤياه طالبا منهم تفسيرا لها.  لكن المستشارين والكهنة لم يقوموا بالتفسير. ربما لأنهم لم يعرفوا تفسيرها، أو أنهم أحسوا أنها رؤيا سوء فخشوا أن يفسروها للملك، وأرادوا أن يأتي التفسير من خارج الحاشية -التي تعودت على قول كل ما يسر الملك فقط. وعللوا عدم التفسير بأن قالوا للملك أنها أجزاء من أحلام مختلطة ببعضها البعض، ليست رؤيا كاملة يمكن تأويلها. فسمع الساقي -الذي نجا من السجن الرؤية  وذكره حلم الملك بحلمه الذي رآه في السجن، وذكره السجن بتأويل يوسف لحلمه. وأسرع إلى الملك وحدثه عن يوسف. قال له: إن يوسف هو الوحيد الذي يستطيع تفسير رؤياك.

وأرسل الملك ساقيه إلى السجن ليسأل يوسف. ويبين لنا الحق سبحانه كيف نقل الساقي رؤيا الملك ليوسف بتعبيرات الملك نفسها، لأنه هنا بصدد تفسير حلم، وهو يريد أن يكون التفسير مطابقا تماما لما رءاه الملك.

(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)

ثم جاء الوقت واحتاج الملك إلى ان يري يوسف

لم يفسر يوسف الرؤيا فقط . وإنما قدم مع التفسير النصح وطريقة مواجهة المصاعب التي ستمر بها مصر. أفهم يوسف رسول الملك أن مصر ستمر عليها سبع سنوات مخصبة تجود فيها الأرض بالغلات. وعلى المصريين ألا يسرفوا في هذه السنوات السبع. لأن وراءها سبع سنوات مجدبة ستأكل ما يخزنه المصريون ، وأفضل خزن للغلال أن تترك في سنابلها كي لا تفسد أو يصيبها السوس أو يؤثر عليها الظروف المناخية وعوامل الطقس .

بهذا انتهى حلم الملك  وزاد يوسف تأويله لحلم الملك بالحديث عن عام لم يحلم به الملك، عام من الرخاء. عام يغاث فيه الناس بالزرع والماء، و كان هذا العام الذي لا يقابله رمز في حلم الملك. علما خاصا أتاه الله ليوسف. فبشر به الساقي ليبشر به الملك.

(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ )

عاد الساقي إلى الملك. أخبره بما قال يوسف، دهش الملك من هذا السجين،  إنه يتنبأ لهم بما سيقع، ويوجههم لعلاجه.. دون أن ينتظر أجرا أو جزاء. أو يشترط خروجا. فأصدر الملك أمره بإخراج يوسف من السجن وإحضاره فورا إليه. ذهب رسول الملك إلى السجن طلب منه أن يخرج للقاء الملك . وإنه يطلبه على عجل.

رفض يوسف أن يخرج من السجن إلا إذا ثبتت براءته. لقد  ولقد سكبت هذه التربية وهذا الأدب في قلبه السكينة والثقة والطمأنينة. ويظهر أثر التربية واضحا في الفارق بين الموقفين: الموقف الذي يقول يوسف فيه للفتى: اذكرني عند ربك، والموقف الذي يقول فيه: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيدهن، الفارق بين الموقفين كبير.

(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ )

سأل الملك  عن القصة ليكون على بينة من الظروف قبل أن يبدأ التحقيق، لذلك جاء سؤاله دقيقا للنساء. فاعترف النساء بالحقيقة التي يصعب إنكارها وقامت أمراة العزيز بالاعتراف وقالت انا راودته عن نفسي وكان سجن يوسف كان نقلة هائلة في حياتها. آمنت بربه واعتنقت ديانته.واعترف نساء الطبقات العلياء بما فعلوا وبصدق يوسف وبراءته

وأصدر الملك أوامره بالإفراج عنه وإحضاره إلي القصر

(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ )

نحقق الملك من  براءته، وعلمه، وعدم تهافته على الملك. عرف أنه أمام رجل كريم، فلم يطلبه ليشكره أو يثني عليه، وإنما طلبه ليكون مستشاره. وعندما جلس معه وتحدث معه. فطمأن  على أنه ذو مكانه وفي أمان عنده.

واندهش بأمر يوسف فهو لم يشكره، ولم يقل له: عشت يا مولاي وأنا عبدك الخاضع أو خادمك الأمين، كما يفعل المتملقون للطواغيت؛ كلا إنما طالب بما يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من الأعباء في الازمة القادمة. لم يكن يوسف في كلمته يقصد النفع أو الاستفادة. على العكس من ذلك. كان يحتمل أمانة إطعام شعوب جائعة لمدة سبع سنوات.. شعوب يمكن أن تمزق حكامها لو جاعت.. كان الموضوع في حقيقته تضحية منه

(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)

و مكن الله ليوسف في الأرض، صار مسؤولا عن خزائن مصر واقتصادها، صار كبيرا للوزراء،  وجاء في رواية أن الملك قال ليوسف: يا يوسف ليس لي من الحكم إلا الكرسي ولك حرية التصرف . وذلك لمعرفته أنه حكيم عليم.،  أنه أمين وصادق.. لا خوف إذا على اقتصاد مصر.في يد يوسف . ومر الوقت وجاءت سنوات الرخاء مسرعة وتصرف يوسف بعلمه وجاءت سنوات المجاعة والخراب تجاوزها يوسف بحكمته.

(وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ )

انتشرب الخراب والمجاعة أرض كنعان وما حولها. فاتجه إخوة يوسف إلى مصر. وقد تسامع الناس بما فيها من فائض الغلة منذ السنوات السمان. فدخلوا على عزيز مصر, وهم لا يعلمون أن أخاهم هو العزيز. إنه يعرفهم فهم لم يتغيروا كثيرا. أما يوسف فإن خيالهم لا يتصور قط أنه العزيز! وأين الغلام العبراني الصغير الذي ألقوه في الجب منذ عشرين عاما أو تزيد من عزيز مصر شبه المتوج في سنه وزيه وحرسه ومهابته وخدمه وحشمه .ولم يكشف لهم يوسف عن نفسه

(وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ )

أنزلهم منزلا طيبا, ثم أخذ في إعداد الدرس الأول لهم واستدرجهم حتى ذكروا له من هم على وجه التفصيل, وأن لهم أخا صغيرا من أبيهم لم يحضر معهم لأن أباه يحبه ولا يطيق فراقه. فلما جهزهم بحاجات الرحلة قي الإكرام .فطلب منهم أن يأتوه به في العام المقبل فقد تيقنوا من أنه يوفي الكيل لكل شخصٍ ويعدل بين الناس، وهددهم بانهم إن لم يأتوه به فلا كيل لهم عنده، وطلب من فتيانه أن يعيدوا لهم البضاعة بالخفية خوفاً من أن لا يكون لديهم ما يعودون به في العام المقبل ليقايضوا به

(قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )

أمر يوسف غلمانه أن يدسوا البضاعة التي حضر بها إخوته ليستبدلوا بها القمح والعلف.  أمر هم بدسها في رحالهم -والرحل متاع المسافر  لعلهم يعرفون حين يرجعون أنها بضاعتهم التي جاءوا بها.

واستمر حوارهم مع يعقوب عليه السلام يريدون أن يتزودوا أكثر، وسوف يحفظون أخاهم أشد الحفظ وأعظمه.. وانتهى الحوار باستسلام الأب لهم.. بشرط أن يعاهدوه على العودة بابنه، إلا إذا خرج الأمر من أيديهم وأحيط بهم

اخبروا أنه إن لم يبعث معهم أخيهم  فإنه سيمنع الكيل منهم، وعندها وافق يعقوب عليه السلام على خيفة من نفسه أن يبعث أخيهم معهم إذ إنه كان يرى فيه ريح يوسف ويعوضه عنه، وقد بعثه أيضاً لحاجة أهله إلى الطعام وأن لا قدرة لهم على من الطعام في سنين الجدب والقحط هذه، فأخذ منهم المواثيق والعهود مع علمه أنّه لا تنفع المواثيق إن حصل القدر، وطلب منهم عليه السلام ان يدخلوا من ابواب متفرقة وكان السبب في هذا أن لا يصابوا بالعين فقد كانوا حسان الشكل.

( وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )

عندما دخلوا إلى الملك ومعهم أخوهم رحب بهم وأكرمهم وبعد ذلك أخبره أنه أخوه وطلب منه أن يكتم ذلك

(فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ)

وأراد أن يحتال عليهم كي يأخذ أخاه  منهم، فوضع صواع الملك أي سقايته في رحل أخيه بنيامين واتهمهم بالسرقة وأنّه لمن يعيد الصواع حمل بعيرٍ آخر، ولكنهم نفوا ذلك، فطلب يوسف منهم ان يخبروه ما جزاءهم إن كانوا كاذبين فأخبروه أنّ من يسرق عندهم يدفع منه، وقد طلب منهم ذلك لأنّه لم يكن باستطاعته أن يأخذ أخيهم منهم بحسب سياسة مصر، فلما استخرجوا الصواع من حمل بنيامين اتهموه أنّه يسرق كأخيه من قبل ويعنون يوسف عليه السلام، إلا أنه أسرها في نفسه، وطلبوا منه أن يأخذ أحدهم بدلاً منه لأنهم أعطوا المواثيق لأبيهم، ولكنه أبى أن يأخذ أحداً غير الذي سرق وأن ياخذ البريء عوضاً عنه.وقال سنطبق عليكم قانونكم الخاص..

سمع يوسف بأذنيه اتهامهم له، وأحس بحزن عميق.. كتم يوسف أحزانه في نفسه ولم يظهر مشاعره.. قال بينه وبين نفسه(أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ). لم يكن هذا سبابا لهم، بقدر ما كان تقريرا حكيما لقاعدة من قواعد الأمانة. أراد أن يقول بينه وبين نفسه: إنكم بهذا القذف شر مكانا عند الله من المقذوف، لأنكم تقذفون بريئين بتهمة السرقة.. والله أعلم بحقيقة ما تقولون.

(. إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)

سقط الصمت بعد تعليق الإخوة علي السرقة  ثم  وتذكروا يعقوب.. لقد أخذ عليهم عهدا غليظا، ألا يفرطوا في ابنه. وبدءوا استرحام يوسف، يوسف أيها العزيز يوسف أيها الملك إن له ابا شيخاً لقد وعدنا أبانا ان نعيده

(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)

عندما فشلوابأرجاع بنيامين  قال كبيرهم أنه لم يعد قادراً على مواجهة أبيه  وبعد ما فعلوه بيوسف عليه السلام، وأنه لن يعود حتى يأذن له أبوه بالعودة أو أن يستيطع إرجاع بنيامين من الملك، وعندما عادوا إلى أبيهم وأخبروه بما حصل كذبهم وخاصةً بعدما فعلوه بيوسف، فالسرقة ليست من صفات بنيامين، وتذكر حزنه القديم على يوسف

فنفرد في معزل، يندب فجيعته في ولده الحبيب يوسف. الذي لم ينسه، ولم تهون من مصيبته السنين ، والذي تذكره به نكبته الجديدة في أخيه الأصغر فتغلبه على صبره الجميل. أسلمه البكاء الطويل إلى فقد بصره.. أو ما يشبه فقد بصره. فصارت أمام عينيه غشاوة بسبب البكاء لا يمكن أن يرى بسببها.

فلما رأى أبناؤه ما به  طلبوا منه أن يتوقف عن ذكرهما  وخوفاً عليه من الضعف بسبب ذلك، ولكنه نبي كريم من أنبياء الله تعالى فأخبرهم أنه لا يشكوا إليهم بل إلى الله تعالى وأنه يعلم أنه سيخرجه مما هو فيه من الضيق، وطلب منهم أن لا ييأسوا من طلب يوسف وبنيامين وأن ييقنوا بأن الله قادر على تفريج كربه .

(يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)

كشف لهم في عمق أحزانه عن أمله في روح الله.. إنه يشعر بأن يوسف لم يمت كما أنبئوه.. لم يزل حيا، فليذهبوا بحثا عنه.. وليكن دليلهم في البحث، هذا الأمل العميق في الله.

(فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)

تحركت القافلة في طريقها إلى مصر، إخوة يوسف في طريقهم إلى العزيز بعد أن تدهور حالهم الاقتصادي  إن فقرهم وحزن أبيهم ومحاصرة المتاعب لهم،  ها هم أولاء يدخلون على يوسف ،.أصابهم وأهلهم الضعف والقحط وأنهم لم ياتوا إلا بدراهم معدودة لما بهم من القحط ، وعندما دخلوا على يوسف – عليه السلام- رجوه أن يتصدق عليهم  انتهى الأمر بهم إلى التسول.أن يتصدق عليهم.. ويستميلون قلبه، بتذكيره أن الله يجزي المتصدقين.

(قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ )

فاجأهم عزيز مصر بسؤالهم عما فعلوه بيوسف.. كان يتحدث بلغتهم فأدركوا أنه يوسف، وبدا  يكشف لهم خطيئتهم معه.. لقد كادوا له وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ

(قَالُوا تَاللّهِ قَدْ آثَرَكَ اللّهُ  عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ)

مرت السنوات، وذهب كيدهم له ونفذ امر الله كان إلقاؤه في البئر هو بداية صعوده إلى السلطة والحكم.. وكان إبعادهم له عن أبيه سببا في زيادة حب يعقوب له. وها هو ذا يملتك رقابهم وحياتهم،  وهم يقفون في موقف استجداء عطفه. ، دعا الله أن يغفر لهم.

(اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)

وأنهي يوسف حواره معهم بنقلة  لأبيه فعلم أن أباه قد ابيضت عيناه من الحزن عليه.. يعلم أنه لم يعد يبصر. خلع يوسف قميصه وأعطاه لهم . وعادت القافلة إلى فلسطين.

بعد أن خرجت القافلة من مصر ،  قال يعقوب -عليه السلام- لمن حوله في فلسطين: إني أشم رائحة يوسف، لولا أنكم تقولون في أنفسكم أنني شيخ خرِف لصدقتم ما أقول.

(قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وصلت القافلة، وألقى البشير قميض يوسف على وجه يعقوب -عليهما السلام- فارتدّ بصره. هنا يذكر يعقوب حقيقة ما يعلمه من ربه

(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)

اعترف أبنائه بخطائهم، وطلبوا من يعقوب عليه السلام  الاستغفار لهم ودعا لهم ربهم .

لقاء يوسف بيعقوب

(فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ )

وأتى يعقوب إلى يوسف عليه السلام، و خرج معه الملك والحرس في موكب إعظاماً ليوسف لإستقبال يعقوب عليه السلام وقيل أن الله تعالى رفع  القحط ببركة قدوم يعقوب ، فعندما وصلوا أخذ أبيه وأمه وأجلسهما معه على سريره

وخروا له ساجدين إعظاماً له،  وقد كان هذا تأويل الرؤيا في بداية قصته عليه السلام حين رأى الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له،

(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)

وبذلك رأى يوسف عليه السلام أنّ الله تعالى أتمّ فضله ونعمه عليه بعد الضيق والهم، ودعا الله تعالى أن يتمّ فضله بأن يتوفاه مسلماً ويرزقه الجنة فهذه هي الغاية الكبرى التي قد يسعى لها أيّ إنسان مهما كان به من النعيم أو الضيق.

بدأت قصته برؤيا ، وانتهت برؤيا

توفي بعمر  110 ، دفن في مصر، وتم نقل رفاته إلى الشام في عهد سيدنا موسى عليه السلام، وتم دفنه في مدينة نابلس في فلسطين. توفي سيدنا يوسف عليه السلام قبل ميلاد سيدنا موسى بأربع وستين عاماً، وبعد ميلاد إبراهيم عليه السلام بـ 361 عاماً..

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *