الرئيسية / قصص قصيرة / قصة العودة إلي الفردوس

قصة العودة إلي الفردوس

أقدم لكم قصة العودة إلي الفردوس من خلال موقع قصص مذهلة للمزيد من القصص زوروا قسم قصص قصيرة 

قصة العودة إلي الفردوس

في زمن بعيد ، وفي قرية صغيرة ، عاش رجل عجوز وأولاده الثلاثة ، لم يكن يمتلك من ثروات الدنيا إلا بقرة وبئراً وحقلا ً صغيراً ، كانت البقرة تعطي الحليب ، والحقل يغذي البقرة ، والبئر تسقي الحقل ، فتخضر أرضه ويصبح كفردوس صغير يأسر العيون ، ويعبق بشذا الورد والفل والياسمين .

مع كل فجر جديد يتوجه الأخوة الثلاثة إلي الحقل معاً ، وعندما تختفي الشمس خلف التلال البعيدة ، يعيدون معاً يتحدثون عن بهجة الحياة وفرحتها، وأمنيات الأيام المقبلة، ويحلمون بالأولاد والأحفاد ، والرجل العجوز يودعهم بشوق لا ينتهي ويبقي في أنتظارهم أمام الدار بلهفة المشتاق لمسافر طالت غيبته، وهكذا كانت حياتهم إلي أن وهنت قوي الرجل العجوز وأوشكت أيامه أن ترحل ، فجمع أولاده حول فراشه وقال:

أحس بأني مفارق هذه الدنيا قريباً ، ماذا ستفعلون بعد رحيلي ؟
أجابوا بصوت واحد : نبقي مثلما كنا
امتلأ وجهه بأبتسامة أضاءت العينين المتعبيين ثم ودع الحياة

بكاهُ أولاده بكاءً مُراً ، وأصبح قبره مزاراً لهم، لكن الأيام تمضي وتنمحي ذكراه تصبح جزءاً من ماض بعيد طواه النسيان .
بعد عام أجتمع الأخوة الثلاثة وقال الأبن الأكبر: نقسم الميراث ، ويذهب كل في طريق
قال الأوسط : نقتسم ويكون الحقل من نصيبي ، وقال الأصغر : لماذا لا نبقي معاً ؟ فلا حياة لواحد منا بمفرده؟
لكن الكبير صرخ في وجهه وقد أعماه الغضب : أنت لا تتكلم لأنك لا تفقه في أمور الدنيا، بعد جدل طويل اتفق الثلاثة علي أن يتصارعوا والأختيار بين البقرة والبئر والحقل .

في اليوم الأول تصارع الأكبر والأوسط، أمسك كل منهما بالأخر فتدافعا وتلاحما متقاتلين، وسالت من كل منهما دماء كبيرة ، وعندما انجلبت المعركة ، كان الأوةسط مطروحاً أرضاً منهوك القوي مُستسلماً والأكبر واقفاً مزهواً بأنتصاره و اختار الحقل .
في اليوم الثاني تقابل الأوسط والأصغر .، ولأن الأصغر كان رقيق العظم قليل المكر والحيلة ، فقد ترك لأخيه أن يختار بين البقرة والبئر، فاختار البقرة .

هكذا اقتسم الاخوة الثلاثة الميراث، ولم تعد الأيام مثلما كانت ، فقد رحل الأب وتركهم يواجهون مصيراً مجهولاً
في الأيام الأولي كان الأوسط أكثرهم سعادة ، فقد كانت البقرة تعطي حليباً وافراً ، كان ينهض فجراً ، ويحلب البقرة، ثم يبيعه في سوق القرية، لكن يوماً بعد يوم تناقص عطاؤها حتي جف ضرعها وأصبحت هزيلة ضامرة.

أما الأكبر فقد كان يقطف ثمار الحقل ويبيعها وعندما لم يبق علي الأشجار ثمرة واحدة، بدأ يجمع الحطب، وعندما لانضب الحطب أخذ يقتلع جذوع الأشجار ليصنع منها حطباً، لكن مع مرور الأيام لم يبق في الحقل عود واحد يمكن بيعه.
فقد جفت الأرض وتشقق وتغير لونها، وأصبحت خراباً ، ولم يجد مايفعله إلا أن يمضي الوقت متكئاً علي جذع شجرة التوت العتيقة يسترجع فرح الأيام القديمة، عندما كان الحقل مرحاً أخضر وافر الماء والثمار .

أما الأصغر فكان يمتك روح الحياة ، لكن لم يكن يملك حقل ليسقيه، ولم يكن لديه بقرة ليرويها ، ومع ذلك لم يفارق البئر ليلاً أإو نهاراً فقد كان يخشي سطوة أخوته عي مياهه.

ذات يوم جمع الأخوة الثلاثة حُزن مشترق وهم ثقيل ، فمن يمتلك البئر لايجد طعاماً ، ومن يمتلك الحقل لا يجد الماء ومن يمتلك البقرة لن يجيد المرعي.

فقال الأوسط : أفكر في ذبح البقرة ، وقال الأكبر أفكر في بيع الحقل ، أما الأصغر فقال : لماذا نموت وخير الأرض تحت أقدامنا
قال الأكبر: لو تنازل كل منكما عن مايملك فلن أبيع اأرض ، وكذلك قال الأوسط . لم يتفقوا والأيام تمر ويتحول الحقل إلي كثبان من الرمال، تجمعها الرياح في فصول الخريف المتعاقبة ، وتسقط البقرة صريعة الجوع والعطش ، وينسج العنكبوت شياكة حول البئر ليصبح في النهاية كمدخل كهف مهجور.

بدأ الموت يهددهم مع مطلع كل شمس، فقد خلت خزائنهم من الغلال، وخبت نارهم في مواقدها، وبدأت الغربان تحوم حول المكان بلا ملل في إنتظار فريستها.

في اليوم الأخير كان الأكبر يصارع مرضاً يوشك أن يفتك به ، ويطفئ نور الحياة في عينيه، كان وحيداً في داره يقتله العطش والجوع والندم .

انسابت دموع غزيرة من عينيه، وغسلت الوجه الذي كان في لون الرماد ، ثم أجهش بالبكاء والنحيب، انتحب كطفل فقد الأهل والأصدقاء .، جاء أخواه علي صوت نحيبه ، كان ينتفض كورقة تتقاذفها الرياح ولم يكد الأصغر يقترب من فراشه ، حتي ألقي بنفسه بين أحضانه ..

قال وهو يكفكف دموع الندم …فلنبق معاً الحقل والبقرة والبئر ..الكل للجميع الكل للجميع
ولأول مرة منذ رحيل الأب يقضون ليتهم معاً ، يسترجعون أيام الألم والفرح ويذكرون وصية أبيهم وهو يودع الحياة: الأرض لا تقبل بالتقسيم ، فلتكونوا و أولادكم من بعدكم معاً

وقبل أن تنهض الشمس من مرقدها سار الثلاثة معاً فانتفضت الغربان وطارت ثم اختفت في الأفق البعيد وزغرد عُُصفور كأنه يُعلن فرحته بعودتهم معاً إلي الحقل الذي طال شوقه إليهم ……

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *